ابن العربي
1029
أحكام القرآن
المسألة الأولى - قوله تعالى : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ : أي ما كان لهؤلاء المذكورين أن يتخلّفوا - دليل على أنّ غيرهم لم يستنفروا ، وإنما كان النفير منهم في قول بعضهم ، ويحتمل أن يكون الاستنفار في كلّ مسلم ، وخصّ هؤلاء بالعتاب لقربهم وجوارهم ، وأنهم أحقّ بذلك من غيرهم . المسألة الثانية - قوله تعالى : وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ دليل عند علمائنا على أنّ الغنيمة تستحقّ بالإدراب « 1 » والكون في بلاد العدوّ ؛ فإن مات بعد ذلك فله سهمه ؛ وهو قول أشهب ، وعبد الملك ، وأحد قولي الشافعي . وقال مالك ، وابن القاسم : لا شيء له ؛ لأنّ اللّه إنما كتب له بالآخرة ، ولم يذكر السهم . وهو الصحيح ، وقد بيناها في مسائل الخلاف . المسألة الثالثة - قوله : وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً ، وَلا يَقْطَعُونَ وادِياً إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ : يعنى كتب لهم ثوابه . وكذلك قال في المجاهد : إنّ أرواث دوابّه وأبوالها حسنات ، ورعيها حسنات ، وقد زادنا اللّه تعالى من فضله . ففي الصحيح أنّ النبي صلى اللّه عليه وسلم قال في هذه الغزوة بعينها : إنّ بالمدينة قوما ما سلكتم واديا ، ولا قطعتم شعبا إلا وهم معكم ، حبسهم العذر ، فأعطى للمعذور من الأجر ما أعطى للقوىّ العامل بفضله . وقد قال بعض الناس : إنما يكون له الأجر غير مضاعف ، ويضاعف للعامل المباشر . وهذا تحكّم على اللّه ، وتضييق لسعة رحمته ؛ وقد بيناه في شرح الصحيحين . ولذلك قد راب بعض الناس فيه ، فقال : أنتم تعطون الثواب مضاعفا قطعا ، ونحن لا نقطع بالتضعيف في موضع ؛ فإنه مبنيّ على مقدار النيات ، وهو أمر مغيب ، والذي يقطع به أنّ هنالك تضعيفا ، وربّك أعلم بمن يستحقّه ، وهذا كلّه وصف العاملين المجاهدين ، وحال القاعدين التائبين ، ولما ذكر المتخلّفين المعتذرين بالباطل قال كعب بن مالك : ذكروا في بشر ما ذكر به أحد ، فقال « 2 » : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ . . . الآية .
--> ( 1 ) أدرب القوم : إذا دخلوا أرض العدو . ( 2 ) آية 94 من السورة .